د. ثامر محمد أحمد
قسم الهندسة المدنية
جامعة تيشك الدولية – أربيل
مقدمة:
يواجه العراق، البلد المعروف بحضاراته القديمة وتراثه الثقافي الغني، تحدياً معاصراً يهدد وجوده، وهو تأثير السدود على موارده المائية. في حين أن السدود يمكن أن تحقق فوائد اقتصادية وحماية بيئية للدول التي تقوم بإنشائها، وهي تشكل أيضًا تحديات كبيرة لدول المصب مثل العراق. في هذه المقالة، نعرض الآثار المعقدة لبناء السدود على مصادر المياه في العراق، مع تسليط الضوء على الحاجة إلى حلول تعاونية لضمان الأمن المائي للجميع.
الطفرة العالمية في بناء السدود
في أعقاب الحرب العالمية الثانية، شهد العالم طفرة في بناء السدود الكبيرة، حيث ارتفع عددها من (5) آلاف في عام 1950 إلى عدد مذهل بلغ (50) ألف بحلول عام 2017. وكان هذا الانتشار مدفوعا بالفوائد المتصورة للسدود، مثل توليد الطاقة، والسيطرة على الفيضانات وتوسيع الري. ونتيجة لذلك، تضاعفت المساحات الزراعية المروية، مما يعكس الدور الحيوي للمياه في استدامة الاقتصاد وسبل العيش.
التأثير على عائدات المياه في العراق
أثر بناء السدود في تركيا وإيران خلال العقود الثلاثة الماضية بشكل كبير على تدفق المياه إلى العراق، وخاصة إلى نهري دجلة والفرات. ومع بناء ما يقرب من 100 سد في دول المنبع هذه، شهد العراق انخفاضًا حادًا في عائداته المائية. على سبيل المثال، انخفضت إمدادات المياه إلى العراق بمقدار النصف منذ السبعينيات، مما أثر بشدة على المشاريع الزراعية وتفاقم ندرة المياه. والشكل أدناه يوضح معدلات التراجع في الايرادات المائية، حيث انخفضت هذه الايرادات في نهر دجلة من 54,53 كيلومتر مكعب للأعوام من 1960-1969 الى 29,11 كيلومتر مكعب للأعوام من 2010-2019 وكذلك الحال بالنسبة الى نهر الفرات من 35,29 كيلومتر مكعب الى 18,44 كيلومتر مكعب لذات الفترات الزمنية. والجدير بالذكر أن مثل هكذا انخفاضات في مستويات الايرادات المائية ترافقت مع زيادات كبيرة في حجم الطلب المتنوع على المياه بسبب الزيادات الملحوظة في عدد السكان من بضعة ملايين في فترة الخمسينات من القرن الماضي الى أكثر من 40 مليون نسمة في الوقت الراهن.
شكل (1):عرض معدلات الانخفاض للايرادات المائية في العراق
(تكاية ليَرةدا شكلَةكة (ويَنةكة) دابندريَت).
التحديات والعواقب
وتمتد عواقب تناقص إيرادات المياه إلى ما هو أبعد من الإنتاجية الزراعية حيث أدى انخفاض تدفق المياه إلى تدهور بيئي، بما في ذلك جفاف الأهوار في جنوب العراق وزيادة العواصف الترابية بسبب تآكل التربة. علاوة على ذلك، أدى بناء السدود على نهري كارون وكرخة في إيران إلى انخفاض كبير في تدفق المياه في شط العرب، مما أدى إلى تفاقم مشاكل المياه في العراق.
حلول للإدارة المستدامة للمياه
تتطلب معالجة التحديات التي يفرضها بناء السدود اتباع نهج متعدد الأوجه وتعاون دولي:
- الالتزام بالاتفاقيات الدولية: يجب على العراق الدعوة إلى تنفيذ الاتفاقيات والمواثيق الدولية التي تنظم توزيع المياه بين الدول المتشاطئة. إن الحوار والجهود الدبلوماسية ضرورية لضمان التقاسم العادل للموارد المائية.
- تنظيم استخدام المياه الجوفية: يعد التحكم في انتشار الآبار وإنفاذ القوانين التي تحكم استخدامها خطوات حاسمة في إدارة موارد المياه الجوفية بشكل مستدام. ومن خلال تنظيم استخراج المياه الجوفية، يستطيع العراق التخفيف من تأثير تناقص تدفق المياه السطحية.
- الاستثمار في تكنولوجيا تحلية المياه: نظراً لندرة موارد المياه العذبة، يجب على العراق الاستثمار في تكنولوجيا تحلية المياه للاستفادة من مصادر المياه قليلة الملوحة. ويمكن لهذا النهج أن يوفر إمدادات مياه بديلة للاستخدام الزراعي والمنزلي، مما يقلل الاعتماد على المياه السطحية.
- تعزيز البحث والابتكار: يعد التعاون بين الجامعات ومراكز البحوث أمراً حيوياً لتطوير حلول مبتكرة لندرة المياه. يمكن للمبادرات البحثية التي تركز على الحفاظ على المياه، وتقنيات الري الفعالة، وممارسات الإدارة المستدامة للمياه، أن تفيد القرارات السياسية وتساعد في معالجة تحديات المياه في العراق.
خاتمة
ويؤكد تأثير السدود على الموارد المائية في العراق الحاجة الملحة لاتخاذ تدابير استباقية لضمان الأمن المائي واستدامته. ومن خلال تعزيز التعاون بين الدول المتشاطئة، وتنظيم استخدام المياه، والاستثمار في مصادر المياه البديلة، وتشجيع البحث والابتكار، يستطيع العراق التغلب على التحديات التي يفرضها بناء السدود وتأمين الوصول إلى موارد المياه الحيوية ل

